ملا نعيما العرفي الطالقاني
104
منهج الرشاد في معرفة المعاد
بقوله : والإمكان يعطي جواز العدم . أقول : فيه نظر ، لأنّ الممكن يجوز أن يمتنع فناؤه أعني العدم « 1 » الطارئ بعد وجوده ، ولا يلزم من ذلك انقلابه من الإمكان الذاتي إلى الوجوب الذاتي ، وإنّما كان يلزم ، لو امتنع عليه العدم مطلقا طارئا كان أو مبتدأ ، وقد مرّ بيان ذلك مستقصى في مبحث أنّ المعدوم لا يعاد . وأمّا الثاني ، فلأنّ الدلالة السمعيّة تدلّ على وقوع العدم ، مثل قوله تعالى : « كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ » . « 2 » ومثل قوله تعالى : « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » . « 3 » وقوله تعالى : « هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ » . « 4 » والآخريّة « 5 » في حقّه إنّما يتحقّق أن لو بقي بعد فناء ما سواه . وقوله تعالى : « يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ » . « 6 » إلى غير ذلك من النصوص القطعيّة . وإلى هذا أشار بقوله : والسمع دلّ عليه أي على العدم . فقوله : ونتأوّل في المكلّف بالتفرّق كما في قصّة إبراهيم عليه السّلام إشارة إلى جواب دخل مقدّر تقديره : أنّ القول بوقوع العدم ينافي القول بالمعاد ، لأنّ إعادة المعدوم ممتنعة ، فإذا وقع العدم امتنع الإعادة ، فلم يتحقّق المعاد . وتقرير الجواب : أن يقال : لا إشكال في غير المكلّفين ، فإنّه يجوز أن ينعدم بالكلّية ولا يعاد ، وأمّا بالنسبة إلى المكلّفين ، فإنّه يتأوّل [ العدم ] بتفرّق الأجزاء ويتأوّل المعاد بجمع الأجزاء وتأليفها بعد التفرّق . والذي يصحّح هذا التأويل قصّة إبراهيم عليه السّلام فإنّه لمّا طلب إراءة إحياء الموتى حيث قال : « رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » . قال اللّه تعالى في جوابه : « فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً » . « 7 » فإنّه يظهر منه أنّه أراد بإحياء الموتى تأليف الأجزاء المتفرّقة
--> ( 1 ) - عدمه ( ظ ) . ( 2 ) - الرحمن : 26 - 27 . ( 3 ) - القصص : 88 . ( 4 ) - الحديد : 3 . ( 5 ) - في المصدر : الآخر . ( 6 ) - الأنبياء : 104 . ( 7 ) - البقرة : 260 .